ابن عجيبة
263
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وهذه الآية تخاطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقولها : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ، والحكم عام في كل أحد ، وقد خص رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأتم الفضائل وأعلى الوسائل ، حتى لم يسبق لفضيلة ، ولم يحتج لوسيلة ، وليس له في ذلك نظر ، بل سابقة السعادة أيدته ، والخصوصية قرّبته ، ولو كان له في التقدير نظر ما منع من الشفاعة في عمه أبى طالب ، ومن الاستغفار لأبيه . ولو كانت الهداية بيد آدم لهدى قابيل ، ولو كانت بيد نوح لهدى ولده كنعان ، أو بيد إبراهيم لهدى أباه آرز ، أو بيد محمد صلى اللّه عليه وسلم لأنقذ عمه أبا طالب ، جذبت العناية سلمان من فارس ، وصاحت على بلال من الحبشة ، وأبو طالب على الباب ممنوع من الدخول . سبحان من أعطى ومنع ، وضر ونفع . ه . ولما دعى صلى اللّه عليه وسلم قومه إلى الإسلام ، تعللوا بعلل واهية ، كما قال تعالى : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 57 ] وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) قلت : ( رزقا ) : حال من ( الثمرات ) ؛ لتخصيصه بالإضافة ، أو مصدر لتجبى ؛ لأن معناه : نرزق ، أو : مفعول له . يقول الحق جل جلاله : وَقالُوا أي : كفار قريش إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى وندخل مَعَكَ في هذا الدين ؛ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أي : تخطفنا العرب وتخرجنا من أرضنا . نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل ، أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : نحن نعلم أنك على الحق ، ولكنا نخاف ، إن اتبعناك وخالفنا العرب ، وإنما نحن أكلة رأس ، أن يتخطفونا من أرضنا ، فردّ اللّه عليهم بقوله : أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً ؛ أو لم نجعل مكانهم حرما ذا أمن بحرمة البيت ، يأمن فيه قطانه ، ومن التجأ إليه من غيرهم ؟ فأنّى يستقيم أن نعرضهم للتخطف ، ونسلبهم الأمن ، إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام ؟ يُجْبى « 1 » إِلَيْهِ ، أي : تجمع وتجلب إليه من كل أوب ، ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ أي : كل صنف ونوع . ومعنى الكلّيّة : الكثرة ؛ كقوله : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ « 2 » ، رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا ، ونعمة من عندنا ، وإذا كان هذا حالهم ، وهم عبدة الأصنام ، فكيف إذا أووا إلى كهف الإسلام ، وتدرعوا بلباس التوحيد ؟
--> ( 1 ) قرأ نافع وأبو جعفر : « تجبى » ؛ بالتاء من فوق ، وقرأ الباقون : « يجبى » . بالياء من تحت . انظر الإتحاف ( 2 / 345 ) . ( 2 ) من الآية 23 من سورة النمل .